مجموعة مؤلفين

38

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

واستخلص لحقائقها أسرار قوم » . ( أبو القاسم عبد الكريم القشيري : الرسالة القشيرية ، تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف . دار الكتب الحديثة ، ج 1 ، ص 187 ) . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان ابن عربى يلقب بين الصوفية بالشيخ الأكبر ، لما خلّفه من آثار ، وما أفعم به هذه الآثار من أسرار ، وما فاضت به هذه الأسرار من أنوار ، فضلا عما كان لهذه الآثار والأسرار والأنوار من قيمة روحية عليا ، سواء من الناحيتين النظرية أو العملية ، في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية ، فقد حدثنا ابن عربى نفسه في أكثر من كتاب ورسالة ، عما ينبغي ستره من العلوم التي أودعها في هذا الكتاب أو ذاك ، أو في هذه الرسالة أو تلك ، وحسبنا أن نقف معه هنا عندما يستهل به إحدى رسائله ، وهي رسالته التي أطلق عليها اسما غريبا مغربا معا ، وهو ( شق الجيب ) التزاما منه للرمز ، وإمعانا منه في الإلغاز : فهو ينظر إلى فحوى هذه الرسالة على أنه من العلوم التي يجب سترها ، ولا يجوز كشفها إلا لأربابها ، وذلك على نحو ما يستشهد به ابن عربى نفسه بقول الشاعر الذي قال : جئتمانى لتعلما سر سعدى * تجدانى بسر سعدى شحيحا وإن ابن عربى ليزيد الأمر بيانا وإيضاحا ، وتفسيرا وإفصاحا ، عن هذا المنهج الرمزى الإلغازى الذي اصطنعه ، كما اصطنعه كثير غيره من الصوفية من قبله ، وإبان حياته ، ومن بعده ، وذلك في قوله : « . . . فهذه الأسرار التي أجرى اللّه العادة عند أهل الطريق ألا نأمن أحدا على كلامنا ، ولذلك قال أبو يزيد رضى اللّه عنه : لا يؤمن على سر من أسرار اللّه تعالى ، وهي من العلوم التي أشار إليها علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، وضرب صدره بيده وقال : إن هاهنا لعلوما جمة لو وجدت لها حملة ، وقول أبي هريرة رضى اللّه عنه : لقطعتم منى هذا البلعوم ، وإليه أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا العالمون